الشنقيطي

29

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ( الملحق ) ( دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ومنع جواز المجاز في المنزل المتعبد والإعجاز )

وقوله : وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ [ الشورى : 39 ] . وقوله : وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها [ الشورى : 40 ] . وقد جاءت آيات أخر تدل على العفو وترك الانتقام ، كقوله : فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ [ الحجر : 85 ] . وقوله : وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ [ آل عمران : 134 ] . وكقوله : ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [ المؤمنون : 96 ] . وقوله : وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [ الشورى : 43 ] . وقوله : خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ [ الأعراف : 199 ] . وكقوله : وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً [ الفرقان : 63 ] . والجواب عن هذا بأمرين : أحدهما - أن اللّه بين مشروعية الانتقام ، ثم أرشد إلى أفضلية العفو ، ويدل لهذا قوله تعالى : وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ [ النحل : 126 ] ، وقوله : * لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ [ النساء : 148 ] فأذن في الانتقام بقوله : إِلَّا مَنْ ظُلِمَ . ثم أرشد إلى العفو بقوله : إِنْ تُبْدُوا خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيراً [ النساء : 149 ] . الوجه الثاني - أن الانتقام له موضع يحسن فيه ، والعفو له موضع كذلك ، وإيضاحه أن من المظالم ما يكون في الصبر عليه انتهاك حرمة اللّه ، ألا ترى أن من غصبت منه جاريته مثلا إذا كان الغاصب يزني بها فسكوته وعفوه عن هذه المظلمة قبيح وضعف وخور تنتهك به حرمات اللّه ، فالانتقام في مثل هذا واجب ، وعليه يحمل الأمر في قوله : فَاعْتَدُوا الآية . أي كما إذا بدأ الكفار بالقتال فقتالهم واجب بخلاف من أساء إليه بعض إخوانه المسلمين بكلام قبيح ونحو ذلك ، فعفوه أحسن وأفضل ، وقد قال أبو الطيب المتنبي : إذا قيل حلم فللحلم موضع * وحلم الفتى في غير موضعه جهل